الشيخ محمد إسحاق الفياض

272

المباحث الأصولية

الأول : ما ذكره بعض المحققين قدّس سرّه من أن علامية التبادر لتعيين المعنى الموضوع له على القول باعتبارية الوضع غير معقولة ، وذلك لأن التبادر برهان إني على الوضع ، وعلى هذا فإذا كان الوضع عبارة عن اعتبار الملازمة بين اللفظ والمعنى القائم بالواضع ، فمن الضروري أنه بجعله الواقعي لا يكون علة للتبادر ، ليكون التبادر كاشفا إنيا عنه ، فان من يكون جاهلا بوضع لفظ « الأسد » مثلا للحيوان المفترس ، وباعتبار الملازمة بينهما ، لا يعقل أن ينتقل ذهنه إلى تصوره من تصور لفظ « الأسد » . فالنتيجة : أن الوضع بوجوده الاعتباري في الواقع ، لا يعقل أن يكون علة للتبادر والانسباق ، بل تمام العلة للتبادر العلم بالوضع ، وإن كان مخالفا للواقع . فإذا علم بأن اللفظ الفلاني وضع للمعنى الفلاني ، كان ذلك المعنى هو المتبادر منه عند اطلاقه وإن لم يكن في الواقع موضوعا له ، فإذن تمام العلة للتبادر هو العلم بالوضع ، ولا أثر له في الواقع بدون العلم به . فتحصل أن التبادر على القول بأن الوضع أمر جعلي اعتباري ، يستحيل أن يكون علامة على الوضع . وأما على القول بأن الوضع أمر تكويني وعبارة عن عملية قرن بين تصور اللفظ وتصور المعنى في ذهن السامع بنحو أكيد ، بحيث يوجب انتقال الذهن من تصور أحدهما إلى تصور الآخر ، فتكون علامية التبادر أمر معقول ، لأن التبادر من اللفظ فرع الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى في ذهنه ، وهذه الملازمة التصورية فرع القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى الذي هو روح الوضع ، وهو أمر واقعي ، فإذا كانت الملازمة ثابتة بين تصور اللفظ وتصور المعنى في الذهن ، فمتى ما تصور اللفظ انتقل ذهنه إلى تصور المعنى ، ولا يتوقف هذا الانتقال التصوري